سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

111

الإكسير في علم التفسير

جريان الوجود على نظام واحد لا يختلف ، وجعل هذا دليلا معتمدا في العقليات ، فما ظنك بهذا العلم الإقناعي . وعن الثاني : لا نسلم إدراك جودة اللفظ بدون سماعه ، وإنما يدرك جودة معناه ؛ لأن آلة إدراكه العقل ، فاشتبه عليك أحد الادراكين بالآخر . ولئن سلمناه ، لكن الإنسان بمجرد أن يدرك اللفظة مكتوبة ، يعرضها بطريق التقدير والتصوير على مخارج ألفاظها ، فيعلم حكمها من جودة ورداءة سريعا ؛ لكثرة مباشرته للألفاظ والنطق بها ، ولهذا فإن أحدنا إذا استصعب عليه هجاء لفظة ، لكثرة حروفها نحو « فسيكفيكهم » « 1 » و « أنلزمكموها » « 2 » يتهجاها بأن يتصور حروفها في ذهنه ، ويجعل كل حرف في رتبته ، فيحصل له معرفة هجائها وإن لم ينطق به ، ولأن آلة إدراك اللفظ : النطق ، كما أن آلة إدراك المعنى : الذهن ، وحسنهما فرع عليها ، فلو جاز أن يدرك حسن اللفظ بدون آلته التي هي النطق ، لجاز أن يدرك حسن المعنى بدون آلته التي هي الذهن والتعقل ، وهو محال ، وهذا واضح لمن عقل وأنصف . واعلم أن توجيه الخفاجي مبني على قاعدة لطيفة ، وهي أن الحواس الخمس بمنزلة الجواسيس للنفس ، يلقى إليها ما تدركه « 3 » ، وقد علمنا بالطبع أن النفس ترتاح للأخبار المستغربة المتباينة ، وتمل وتمج الكلام المعاد ، كما قال بعضهم في ذلك : إذا جلست إلى قوم لتؤنسهم * بما تحدّث من ماض ومن آت فلا تعيدن حديثا إن سمعهم * موكّل بمعاداة المعادات ولا شك أن الحروف المتقاربة في معنى المعاداة المتماثلة ، ولهذا وقع الإدغام في المتماثلين ، نحو : شدّ يشدّ . وفي المتقاربين نحو « 4 » . فثبت أن السمع والنفس

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 137 ( 2 ) سورة هود آية 28 . ( 3 ) في الأصل : ما تذكره وهو تصحيف من الناسخ . ( 4 ) كلمتان غير واضحتين ، ومن الحروف المتقاربة الهاء والحاء فتدغم الهاء في الحاء ، تقول في « أجبه حميدا » أجبحّميدا ، فالحاء من وسط الحلق والهاء من أوله انظر المقتضب 207 ، والكتاب 2 - 412